
بانتقال أكثر من مليون شخص من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية إلى «مراكز النزوح» في بيروت ومناطق مختلفة في محافظتي جبل لبنان والشمال، ازداد تركّز الضغط على المياه، في مقابل انخفاض الطلب إلى حدود الصفر في المناطق التي أتى منها النازحون. تحدٍّ كهذا يضغط على مؤسسات المياه وعلى وزارة الطاقة لتأمين نحو 25 ليتراً من المياه للفرد الواحد، لا سيما أنه يتزامن مع فترة الشحّ الموسمية وتهالك شبكة التوزيع.
سابقاً، كانت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان «تضخّ يومياً 225 ألف متر مكعب من الماء نحو العاصمة»، بحسب المدير العام للمؤسسة جان جبران، لكن القدرة القصوى للمؤسسة لا تزيد اليوم على 130 ألف متر مكعب من المياه يومياً، أي أقل بنسبة 42% من الكميات التي تؤمنها المؤسسة في الأيام العادية. وشبكة المياه «غير قادرة أصلاً على تحمل الطلب الاعتيادي» فكيف سيكون الحال مع زيادة في عدد المقيمين بنسبة 50%؟ يأتي ذلك في فترة شحّ المياه الممتدة من أيلول حتى نهاية تشرين الثاني. «الينابيع أقل غزارة، والمصادر الأساسية للماء لا تعطي كميات كبيرة»، وفق مستشار مؤسّسة مياه بيروت وجبل لبنان التقني طوني زغيب. وهذا ما أدى أيضاً إلى «زيادة التقنين في توزيع المياه اليوم ليصبح الضخّ إلى الأحياء مقتصراً على مرة واحدة كل 4 أيام».
الكميات التي تضخّها المؤسسة عبر الشبكة الرسمية لا تكفي أصلاً قبل أزمة النزوح. فإلى جانب شبكات المياه الرسمية تعتمد الأسر والمرافق العامة والخاصة على الآبار الارتوازية الخاصة بالإضافة إلى شراء المياه عبر الصهاريج. لذا، فإن الضغط الحاصل ليس مصدره فقط مراكز الإيواء، إذ أن «70% من النازحين يقطنون في منازل»، بحسب عضو لجنة الطوارئ الحكومية خالد نخلة. لذا، «مؤسسات المياه أمام تحد كبير لتأمين كمية أكبر من الماء للأحياء السكنية، فضلاً عن مراكز الإيواء». وهذا يفترض أنه لا توجد أولويات لمكان على آخر «فالنازحون موجودون في المكانين، ولا يمكن التخفيف من حصة المياه للأحياء لتحويلها إلى مراكز الإيواء». بمعنى أوضح، «الموارد المائية المتاحة لم تتغير، إنما نمط الطلب تغيّر من المناطق نحو المركز».
القدرة القصوى لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان أقل بنسبة 42% من الكميات التي تؤمنها في الأيام العادية
واستجابة لحالة الطوارئ، تحرّكت وزارة الطاقة مع مؤسسات المياه على عدة مستويات. على المستوى الأول، «قامت مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان بتشغيل محطات الضخ لساعات أطول بغية تأمين كمية أكبر من المياه»، وفق زغيب. فعلى سبيل المثال، «تشغّل المضخّات على آبار شحيم، ودلهون، وكترمايا لـ18 ساعة يومياً، بينما كانت تعمل لـ12 ساعة قبل الحرب». كما تقوم المؤسسة بـ«زيادة التغذية بالكهرباء لمحطاتها في بيروت، مثل محطة تلة الخياط بغية تأمين كميات إضافية من المياه»، وفقاً لجبران. ويلفت إلى أنّ «الاعتداءات تسببت بخروج محطة ضخ رأس بيروت عن الخدمة بسبب القصف الذي تعرضت له الضاحية، ما أدى لقطع أحد خطوط التوتر العالي، 220 كيلو فولت».
على المستوى الثاني، عملت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان على قطع الماء عن مناطق واسعة في الضاحية الجنوبية لأنها كانت تجري على الأرض بسبب القصف الذي طاولها، وجرى تحويلها إلى مناطق تشهد ضغطاً أكبر في بيروت وجبل لبنان. وأدت هذه العملية إلى زيادة كميات المياه بنسبة 14% عن وضعها الحالي، حتى 150 ألف متر مكعب يومياً.
لكن الاهتراء المزمن للشبكة يحدّ من قدرتها الاستيعابية. فهناك مراكز إيواء لم تكن تصلها المياه أبداً، أو الاستهلاك فيها أكبر من الكمية المؤمّنة عبر الشبكة العامة. لذا، تعاونت مؤسسات المياه مع أجهزة الدفاع المدني، إذ تقوم الصهاريج التابعة لهذا الجهاز بنقل الماء من عدد من النقاط التابعة للمؤسسات المياه نحو مراكز الإيواء. وهذه الطريقة، بحسب جبران، «فعالة وسريعة، وتمكّن من نقل كميات أكبر من المياه مقارنةً مع الشبكة العامة». وفي السياق نفسه، تعاقدت الجهات الدولية المشرفة على مراكز الإيواء، مثل اليونيسيف وشركائها المحليين والدوليين، مع أصحاب الصهاريج لنقل المياه. وتقوم الصهاريج بتعبئة المياه من دون مقابل من مآخذ حدّدتها مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، ثمّ تنقلها إلى مراكز الإيواء، حيث الحاجة.
إلا أنّ عمليات نقل وسحب المياه ليست مجانية. فالصهريج، مثلاً، يحتاج يومياً إلى نحو 30 ليتراً من الوقود لنقل المياه، كما تحتاج المولدات المستخدمة في محطات لكميات إضافية من الديزل للعمل. لذا، «تمّ العمل مع اليونيسيف لتأمين 50 ألف ليتر من مادة المازوت لهذه المحطات في بيروت، و40 ألف ليتر للبقاع، و10 آلاف للشمال والجنوب»، بحسب نخلة.
وطلبت وزارة الطاقة والمياه تمويلاً شهرياً بقيمة 3.2 مليون دولار لتأمين إمداد المنازل ومراكز الإيواء بالمياه. ويضيف نخلة، «قسّم المبلغ على الشكل التالي: 1.8 مليون دولار بدل ديزل مخصص لمحطات الضخ، و200 الف دولار أجرة نقل المياه عبر الصهاريج، و1.2 مليون دولار بدل اشتراكات للمولدات الخاصة في الأحياء، والتي تتولى تأمين الكهرباء لمراكز الإيواء». وسيخصص هذا المبلغ لتأمين المياه عبر العمليات المختلفة لـ650 مركز إيواء، مؤلفة من 940 مبنى، وتضم 173 ألف نازح، وفقاً لآخر التحديثات على الأرقام. ويشير نخلة إلى أنّه «من المتوقع أن تقوم اليونيسيف بتأمين هذه المبالغ، ولكنها لا تصرح عن المبالغ المتوفرة للدعم».
غياب العمال يؤثر على عمليات ضخ المياه
فضلاً عن الضغط الذي تسبب به النزوح على شبكات المياه، أدت الاعتداءات الصهيونية إلى تهجير عدد من العمال في المحطات، لا سيّما حيث تقع الاعتداءات في الضاحية والجنوب. بحسب المستشار التقني لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان طوني زغيب، «نتيجة للقصف، امتنع الموظفون في محطتي الشويفات وبرج البراجنة عن النزول إلى مراكز عملهم، ما أدى إلى مشاكل على مستوى التشغيل وتوزيع المياه». بالتالي، طلبت المؤسسة من الموظفين الذين يسكنون في مناطق قريبة النزول لتشغيل المحطات، أو على الأقل إقفال أنابيب المياه، كي لا تتسرب المياه على الطرقات. وبعد أن هدأت الغارات، عاد العمال إلى هذه المراكز، ما أعاد توزيع المياه إلى حالته شبه الطبيعية.
223 مهمة
هو العدد الذي نفذته فرق الدفاع المدني لنقل المياه إلى مراكز الإيواء حتى 7 تشرين الأول الجاري بحسب تقرير الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع
634 ألفاً
هو عدد عبوات المياه التي جرى توزيعها على 890 مركز إيواء إلى جانب توزيع مواد للنظافة الشخصية

